روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
95
عرائس البيان في حقائق القرآن
والبذل والإيثار في خدمتهم وصحبتهم ، والنظر إلى كل مستحسن والانفراد عن كل مستقبح وإجراء الحياة في السماع والوقت والوجد والحال والمراقبة والمحاضرة ، وجميع ذلك مجموع في قوله عليه السّلام : « حبّب إليّ من دنياكم ثلاث : الطيب ، والنساء ، وقرة عيني في الصلاة » « 1 » ، وإحسان اللّه على العارف كشف مشاهدته وتعريف نفسه له ، وإحسان العارف الإقبال على اللّه بنعت التجريد عما دونه وشهوده مشاهدة جلاله وربوبيته في عبوديته . سئل سفيان الثوري عن قوله وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا قال : لا تغفل عن عمرك في الدنيا أن تعمل بالطاعة . قال بعضهم : لا تغترّ بها ولا تسكن إليها . وقال الجنيد : لا تترك إخلاص العمل للّه في الدنيا ؛ فهو الذي يقربك منه ويقطعك عما سواه . قال القاسم في قوله : وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ : اصرف وجهك عن الكل بالإقبال عليه كما أحسن إليك ؛ حيث جعلك من أهل معرفته ، وأحسن مجاورة معرفته ؛ فإنه أحسن إليك ؛ حيث أنعم عليك بالإيمان وهو من أعظم النعم ، فأحسن جوار نعمه ؛ فإنه أحسن إليك في أن وفّقك لخدمته ، فأحسن القيام بواجب عبوديته وإخلاص خدمته . [ سورة القصص ( 28 ) : آية 78 ] قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ( 78 ) قوله تعالى : قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي : كل مريد نظر إلى طاعته وعلمه وعمله وكراماته وحكمته ونطقه وفصاحته وما يسهل له من مراداته فهو مفتون بدعواه ساقط عن نظر الشيوخ بترك آدابه وسقوط احتشامهم عن قلبه ، نعوذ باللّه من هذه الفتنة ، واللّه رأيت أكثر أهل زماننا يسقطون من درجة الإرادة والصدق ومن قلوب أهل الحقيقة بإعجابهم بما هم فيه ، فيصير حالهم أقبح من أحوال العصاة المفلسين ؛ لأن مآل هؤلاء في أواخر أعمارهم الإنكار على أولياء اللّه وخروجهم بدعوى الشيخوخية عليهم ، أعمى اللّه أبصار قلوبهم وهم لا يشعرون . قال سهل : ما نظر أحد إلى نفسه فأفلح ، ولا ادّعى لنفسه حالا فتم له ، والسعيد من الخلق من صرف بصره عن أفعاله وأقواله وفتح له سبيل الفضل والإفضال ورؤية من اللّه
--> ( 1 ) تقدم تخريجه .